مجمع البحوث الاسلامية

276

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

لأنّ الكثيرين من النّاس قد ضلّوا بعد الهدى ، وكفروا بعد الإيمان تحت تأثير العوامل السّلبيّة المتنوّعة المحيطة بهم . . . فحاق بهم العذاب نتيجة ذلك كلّه ، وواجهوا النّداء الحاسم من اللّه : فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ . وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فقد عاشوا حياتهم مع اللّه ، فإذا فكّروا كان « اللّه » أوّل ما يفكّرون به في عظمة خلقه وكرمه في نعمه ، وفي كلّ شيء يحيط بهم . وإذا خطّطوا لحياتهم كان « اللّه » هو الّذي يستلهمونه في رسم تلك المخطّطات . وإذا واجهتهم الشّهوات ، وقفوا منها وقفة التّوازن الّتي منها ما يبني للإنسان روحه وجسده في ما ينفع الرّوح والجسد ، وترفض منها ما يهدم للإنسان كيانه في ما يضرّهما . أمّا إذا عاشوا مع النّاس ، فإنّهم لا يفكّرون بأنفسهم في سجن الأنانيّة ، بل ينفتحون على الحياة الفرديّة والاجتماعيّة للآخرين ، كمنطلق لممارسة المسؤوليّة المفروضة عليهم من اللّه ، في أن تكون حياتهم خيرا وبركة للآخرين ، فلا يصدر منهم أيّ ضرر أو فساد لأيّ إنسان . وإذا وقفوا مع أنفسهم تذكّروا اللّه قبل ذلك ، فعلموا أنّهم عبيد له ، وعرفوا أنّ من واجبهم أن يعبدوه حقّ عبادته ، ويطيعوه حقّ طاعته ، في كلّ ما يستطيعونه ، ويقدرون عليه من ذلك . . . فكانوا قريبين من اللّه في فكرهم وشعورهم وعملهم ، فاستحقّوا رحمته الخالدة الّتي يمنحها للصّالحين والمجاهدين من عباده فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ آل عمران : 107 . ( 6 : 206 ) مكارم الشّيرازيّ : انّ هاتين الآيتين تشيران - بوضوح - إلى أنّ هناك - في يوم القيامة - نوعين من الوجوه : وجوه مبيضّة نيّرة ، ووجوه مسودّة كالحة ، ثمّ تعلّلان ذلك البياض ، وهذا السّواد ، فتردّان سواد الوجوه إلى الكفر والاختلاف ، والعودة إلى عادات الجاهليّة ، وأخلاقها الشّرّيرة ، وبياض الوجوه إلى الثّبات على طريق الإيمان والوحدة . وبكلمة : إنّ الآيتين تصرّحان بأنّ المنافقين والمتفرّقين بعد ما جاءتهم البيّنات هم المسودّة وجوههم الذّائقون للعذاب الأليم بسبب كفرهم ، وأمّا المؤمنون المتآلفون المتحابّون المتّحدون فهم في رحمة اللّه ورضوانه مبيضّة وجوههم . ولقد قلنا مرارا أنّ ما يلاقيه الإنسان من الأوضاع والحالات ، ومن الثّواب والعقاب في الحياة الآخرة ليس في الحقيقة سوى أفكاره وأعماله وتصرّفاته المجسّمة الّتي قام بها في هذه الحياة الدّنيا ، فهما وجهان لعملة واحدة ، إنّه تجسّم صادق ودقيق لما كان ينويه أو يعمله هنا ليس إلّا . وبعبارة أخرى : إنّ لكلّ ما يفعله الإنسان في هذه الحياة آثارا واسعة تبقى في روحه ، وقد لا تدرك في هذه الحياة ، ولكنّها تتجلّى - بعد سلسة من التّحوّلات - في الآخرة ، فتظهر بحقائقها الواقعيّة ، وحيث إنّ جانب الرّوح يكون أقوى في الآخرة ، إذ تشتدّ حاكميّتها وسيادتها على الجانب الآخر من الكيان البشريّ من هنا يكون لتلك الآثار انعكاساتها حتّى على الجسد ، فتبدو الآثار المعنويّة للأعمال محسوسة كما يكون الجسد محسوسا لكلّ أحد .